تابعنا على  
  السبت 20 يناير 2018 - 03:07 صباحاً
  • فيديوهات
لقاء الرئيس التونسى ومؤيد اللامى رئيس الاتحاد العام للصحفيين العرب
خالد ميرى
خالد ميرى
مؤيد اللامى
تقرير الحريات3
خمسون عاماً على الإتحاد العام للصحفيين العرب
  • استطلاع رأى
  • القائمة البريدية
ضع اميلك هنا
  • معجبى الفيس بوك
  • معجبى تويتر

المعرفة كمقاربة بديلة في رهان التنمية

الخميس 04 يناير 2018 01:56:39 مساءًمشاهدات(13)

 

 

يوميات الأخبار

علي هذا المستوي سال ويسيل حبر كثير حول قضايا الفساد المالي والاجتماعي السائدة
لاشك في أن الحكومات في دول شمال إفريقيا وفي العديد من الأقطار العالمية تبذل جهودا كبيرة في مواجهة التحديات الكبيرة والجسيمة التي تواجه هذه الدول. ومن الظلم الادعاء بأن هذه الحكومات تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه التحديات، لأنها ببساطة لا يمكنها أن تبقي كذلك في مواجهة الرهانات التي تزداد تعقيدا واستفحالا مع توالي الأيام. ومن حيث القاعدة المسلم بها لا توجد حكومة ما في العالم تقضي أزمنتها السياسية في الفراغ، ولكن مع هذا الإقرار لا سبيل لإنكار أن كل هذه الجهود تبقي غير كافية ولا قادرة علي كسب رهان المواجهة وتعبيد مسالك آمنة نحو التقدم والنمو.
والحقيقة أن هذه المواجهة أكبر من أن تختزل في معركة طارئة ولا ظرفية ولا عابرة، يمكن كسبها في ظرف أو لحظة حتي وإن اشتغلت جميع الأجهزة والمؤسسات، وسخرت لها كل الإمكانيات المالية والفنية المتوفرة، بل إن الأمر يتعلق في حقيقته بحرب ضروس طويلة الأمد تتطلب نفسا كافيا والتوفر علي استراتيجيات محددة وسياسات عمومية واضحة وفعالة، من شأنها تسطير الحلول الناجعة والفعالة لمختلف الإشكاليات، التي تعيق مساعي التنمية المستدامة، وفي هذا الصدد فإن كثيرا من المراقبين والمهتمين والخبراء المختصين يتحدثون عن عجوزات كبيرة وفظيعة تترتب عنها آثار سلبية مكتظة بالمخاطر.
إن أهم الإشكاليات المرتبطة بهذه الحرب الطويلة الأمد، تهم ترتيب الأولويات في التعاطي مع هذه الإشكاليات المستعصية، إذ غالبا ما تجد كثيراً من الحكومات في منطقة شمال إفريقيا وفي غيرها نفسها أمام تحد حقيقي، يتمثل في ترتيب الأولويات في تخطيط سياساتها العمومية وفي تنفيذ هذه السياسات. فأمام العجوزات الكبيرة المسجلة في العديد من القطاعات العامة، وخصوصا الاجتماعية والاقتصادية منها، تجد السياسات العمومية في هذه الأقطار نفسها في حيرة أمام انتقاء القطاعات الأساسية، التي تمثل رافعات حقيقية في رهان التنمية، وغالبا ما يلاحظ أن هذه الحكومات تحاول توفير الحاجيات الأساسية لجميع القضايا والإشكاليات المطروحة، لينتهي بها المطاف دوما إلي أنها تحاول حل جميع المشاكل لكنها في الحقيقة وأمام الخصاص في إمكانيات التمويل لا توفر الإجابات الصحيحة لجميع هذه القضايا، وتصبح السياسات العمومية مجرد محاولات ضعيفة وصغيرة لإطفاء بعض من الحرائق المشتعلة هنا وهناك، بمعني أنها تحاول فعل كل شيء ولكنها في الحقيقة لا يكون بمقدورها حل أي مشكل من المشاكل المستعصية الموجودة. وما يزيد الإشكاليات استعصاء أن هذه الحكومات غالبا ما تفتقد إلي سياسة حكامة فعالة، تكون قادرة علي ترشيد تدبير جهودها وتكون كفيلة بقياس فعالية ونجاعة هذا التدبير، وعلي هذا المستوي سال ويسيل حبر كثير حول قضايا الفساد المالي والاجتماعي السائدة.
هذه حقائق ثابتة لا تحتاج إلي دلائل وحجج، ومع ذلك فإن الوثائق الصادرة عن الهيئات الأممية والمنظمات الدولية تساعد علي التشريح الدقيق لمجمل هذه الإشكاليات ولأوضاع التنمية في دول العالم بصفة عامة. وفي هذا الصدد فإن تصنيف » مؤشر المعرفة العالمي »‬ المهم الصادر عن مؤسسة »‬ محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة »‬ بدبي والذي أنجزه بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم والاتحاد الدولي للاتصالات وجامعة ماستريخت، والذي يعتبر الأول من نوعه من حيث الجهات التي أصدرته، ومن حيث موضوعه والذي يتناول العديد من المتغيرات والإحصائيات، يمثل بحق محرارا لقياس الجهود المبذولة من خلال السياسات العمومية المعتمدة في العديد من الأقطار خصوصا في دول شمال إفريقيا وتقييم الأوضاع السائدة فيها. وهو تصنيف يؤكد بما لا يدع مجالا لأدني شك، في أن هذه الدول تواجه تحديات رئيسية فيما يتعلق بقضايا مصيرية تهم مصير الشعوب والأوطان علي حد سواء، وأن النتائج المحصل عليها من هذه المواجهة تبقي محدودة الآثار وأن طريق ربح الرهانات في هذا السياق لاتزال طويلة وشاقة.
وثيقة فريدة
ومهم أن نسجل أن الأهمية البالغة لهذه الوثيقة الفريدة من نوعها تتجلي في الربط المتين بين المعرفة كمفهوم شامل، ومختلف جوانب الحياة الإنسانية والأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية الرائجة في هذه المجتمعات. وأن المجالات التي استند إليها التقرير تشمل القطاعات الرئيسية التي تعاني اختلالات عميقة، تتسبب في ترتيب النتائج السلبية المؤثرة في التنمية، خصوصا منها التعليم والتعليم التقني والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث والتطوير والابتكار والاتصالات والمعلومات، وأخيرا الاقتصاد، وهي قطاعات يري أصحاب هذا التصنيف أنها تصب في المعرفة والتنمية المعرفية، ومهم أن نلاحظ في هذا الصدد أن التصنيف يربط بين الإطار السياسي - المؤسساتي العام للدولة والبيئة والصحة والمساواة بين الجنسين، بمعني أن المعرفة أضحت مرتبطة أشد ما يكون الارتباط بمنسوب الديمقراطية السائد وبمستوي بناء الدولة الحديثة، بما يقتضي ذلك من وجود مؤسسات دستورية واحترام حقوق الإنسان. وبذلك فإن التصنيف يعتبر مدخلا لتقييم مسيرة التنمية المعرفية لكل دولة علي حدة، وتشخيصا للأوضاع السائدة. ويري خبراء أن هذا التصنيف يقدم المعرفة كمفهوم جديد، ينقلها من المستوي التقليدي الذي كان يحصرها في اكتساب المعارف والمعلومات بالطرق التربوية والإعلامية المعهودة.
وحينما يتم الارتكاز علي قطاعات استراتيجية، كما هو الشأن بالنسبة للتعليم بجميع مستوياته وتفرعاته التربوية والمهنية، وكما هو الشأن بالنسبة للصحة العمومية، التي تمثل أحد أهم تمظهرات العجز في تقديم الخدمة العمومية الضرورية، وكما هو الشأن بالنسبة للاقتصاد خصوصا ما يرتبط باستفادة عموم المواطنين من مصادر الثروة الوطنية وتوزيعها عليهم بما يضمن استفادة الجميع من عائداتها، وبالنسبة أيضا للابتكار الذي يقاس بمستوي التطور من خلال البحث العلمي، وبالنسبة أيضا للاتصالات بما يتيح التواصل وتمكين عامة الناس من الحق في المعلومة واستخدام هذه المعلومة بما يفيد سيادة الشفافية والوضوح في المجتمع، فإننا في هذه الحالة نكون أمام رصد علمي لخريطة التنمية المنشودة وأمام مرآة تعكس حقيقة المشهد والصورة.
نتائج مطابقة
وجاءت النتائج في هذا التصنيف مطابقة لكثير من تقارير المنظمات الدولية الخاصة بتقييم التعليم في هذه الأقطار، ونفس الأمر بالنسبة للصحة العمومية حيث تتذيل هذه الأقطار الترتيب العالمي في هذا الصدد، كما الشأن مثلا بالنسبة للتقرير المهم الصادر عن منظمة الأمم المتحدة »‬اليونسكو»‬ سنة 2016 الخاص بالتعليم والذي كشف عن مظاهر الاختلالات في هذا القطاع المهم، وبين بشكل جلي أن تردي التعليم يفسر أسباب التخلف والتدهور.
ولذلك لم يكن مثيرا ولا غريبا أن يلقي التصنيف الجديد، الذي تم الكشف عنه ضمن فعاليات »‬قمة المعرفة الرابعة» التي التأمت أخيرا في دبي، بكل من المغرب وتونس ومصر والجزائر في مراتب متأخرة ضمن لائحة الدول المشمولة به، إذ حصلت المملكة المغربية علي الرتبة 77 من أصل 131 دولة بيد أن تونس احتلت المرتبة 80 وجاءت جمهورية مصر في المرتبة 95 والتي أسعفها في ذلك كثيرا تصنيف إحدي جامعاتها مع خمس جامعات من جنوب إفريقيا ضمن أحسن 500 جامعة في العالم في تصنيف شانغهاي لهذه السنة، وكانت الجامعات الإفريقية الوحيدة التي وجدت لها موقعا في هذا التصنيف، وتذيلت الجمهورية الجزائرية اللائحة في المرتبة 96، بيد أن دولة الإمارات العربية المتحدة صنفت في المرتبة 25، وهو ما أهلها لتتربع علي كرسي المقدمة بالنسبة للدول العربية المشمولة بالتصنيف، في حين تقدمت المملكة المغربية لائحة المرتبة الأولي علي المستوي الإفريقي وهي الرتبة التي فسرها معدو التصنيف من الخبراء »‬ بالجهود المهمة التي عرفها اقتصاده في السنوات الأخيرة. مقابل التراجع الملحوظ الذي عرفه علي مستوي البيئات التمكينية والتي يحتل فيها مراكز متدنية ( 108 ) والتي ترجع بالأساس إلي تفاقم الفوارق بين الجنسين ( الرتبة 126 ) ولاسيما داخل سوق الشغل، كما أن البطالة والأمية والهدر المدرسي ووفيات الأطفال، كلها متغيرات أثرت بشكل كبير علي ترتيبه وعلي وتيرة نموه »‬السوسيواقتصادي» كما أن دولا كتونس والجزائر تقدمت علي كل من المغرب والجمهورية المصرية فيما يتعلق بمؤشر البحث والتطوير والابتكار حيث احتل المغرب الرتبة 72 ومصر الرتبة 105 في حين تقدمت كل من تونس والجزائر في الرتبتين 50 و65.
ومهم أن نسجل في هذا الصدد، أن دولة صغري في حجم جزر الموريس احتلت مرتبة متقدمة في هذا التصنيف، بيد أن دولة سويسرا تسيدت لائحة التصنيف بحصولها علي المرتبة الأولي عالميا، وجاءت دولة فنلندا التي تحتل المرتبة الأولي في مختلف التقارير الدولية والتصنيفات العالمية المتعلقة بالتعليم، في المرتبة الثانية رفقة دولة سنغافورة التي اشتهرت بإقلاعها الاقتصادي الشامل، بيد أن دولا من قبيل أنجولا والتوجو وموريتانيا وضعت في ذيل التصنيف العالمي الجديد.
إن هذه النتائج والخلاصات تعيد طرح الأسئلة المتعلقة برزمة من الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية بصيغة جديدة من خلال مدخل المعرفة، وتعيد إلي الواجهة قضية المنهجية المعتمدة في السياسات العمومية لمعالجة هذه الإشكاليات المستعصية بحيث يتضح جليا أن المقاربات التقليدية لم تعد كافية للاستجابة للحاجيات الحقيقية المرتبطة بالتطلعات والانتظارات، ولا هي قادرة علي توفير الحلول الفعلية للمشاكل الكثيرة العالقة ولا هي كفيلة بتوفير البدائل اللازمة لتجليات الأزمة السائدة.
ولا حاجة إلي التذكير بما لم تستوفه هذه الوثيقة المهمة حقه بالقدر الكافي خصوصا ما يتعلق بالمقاربات البديلة المتعلقة بتخطيط السياسات العمومية وبتنفيذها، التي يجب أن تنبع من تربة سياسية عامة صالحة لاستنبات البدائل الصالحة، والتي تفرز مشروعا سياسيا إصلاحيا عميقا يقطع مع ما هو سائد، مما يفقد المؤسسات السياسية والدستورية القائمة، القدرة علي القيام بأدوارها علي الوجه الأكمل.