تابعنا على  
  الجمعة 22 يونيو 2018 - 10:48 مساءً
  • فيديوهات
لقاء الرئيس التونسى ومؤيد اللامى رئيس الاتحاد العام للصحفيين العرب
خالد ميرى
خالد ميرى
مؤيد اللامى
تقرير الحريات3
خمسون عاماً على الإتحاد العام للصحفيين العرب
  • استطلاع رأى
  • القائمة البريدية
ضع اميلك هنا
  • معجبى الفيس بوك
  • معجبى تويتر

الإعـلام والإرهـاب

الأحد 04 فبراير 2018 01:00:18 مساءًمشاهدات(166)


شكلت الظاهرة الإرهابية انشغالا متزايدا للرأي العام العالمي، وبالتالي كان من الطبيعي أن تشكل مصدر جذب واهتمام لوسائل الإعلام في مختلف أصقاع المعمورة. ويمكن القول إنه في ضوء الاهتمام المتنامي لوسائل الإعلام بالظاهرة الإرهابية، والإقبال المتواصل بكل ما يمت إليه بصلة أضحي يطرح إشكاليات مستعصية حول علاقة الإعلام بالإرهاب. ويفرع أسئلة كثيرة ترتبط بالمعالجة الإعلامية المهنية للأحداث والوقائع ذات الصلة بالإرهاب.
وإذا لم تكن الظاهرة الإرهابية جديدة ومستجدة، لأنها كظاهرة من مظاهر العنف الإنساني وجدت مع وجود الإنسان، وأن العديد من البلدان عرفت هذه الآفة علي مر العصور، حيث وجدت عبر العقود الماضية مجموعات قطرية وإقليمية ودولية، نظامية وغير نظامية استعملت العنف ضد المدنيين كاستراتيجية تتغيا تحقيق أهداف سياسية، أو اقتصادية أو تخدم أجندات عرقية أو جهوية أو فئوية، إلا أن الاهتمام بها تزايد وتنامي بشكل لافت بداية من النصف الثاني من القرن الماضي لأسباب سياسية ودينية هذه المرة.
وإذا كان من الصعب الحديث عن تعريف دقيق للإرهاب يكون مقبولا من طرف الجميع، من زاوية اختلاف مواقع النظر والتعامل مع هذه الظاهرة، فإننا نقتصر علي بعض التعاريف التي قد تمثل مراجع مهمة في هذا الصدد. فقد عرف فريق من الخبراء ضمن لجنة شكلتها الأمم المتحدة سنة 2003 الإرهاب في تقرير أعدته لهذا الغرض بأنه »كل عمل ارتكب بهدف قتل أشخاص مدنيين أو إلحاق إصابات بليغة بهم. ويكون الهدف منه تخويف الناس أو إجبار حكومة أو منظمة علي القيام بعمل معين أو الامتناع عن القيام به»‬. بيد أن الخارجية الأمريكية عرفته بأنه »‬عنف تولده دوافع سياسية وينفذ مع سبق الإصرار ضد مدنيين لا صلة لهم بالحرب أو ضد عسكريين عزل من السلاح ولا يقومون بعمل قتالي».
وعرفه المجمع الفقهي الإسلامي علي أنه »‬العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغياً علي الإنسان، دينه ودمه وعقله وماله بغير حق. ويشمل صنوف التخويف والأذي والتهديد والقتل بغير حق. وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق. وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي. ويهدف إلي إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو أموالهم للخطر، ومن صنوف إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أوالخاصة، أو تعريض أحد الموارد الطبيعية للخطر».
وحددت المحكمة الجنائية الدولية تعريفا للإرهاب بالقول: »‬هو استخدام القوة أو التهديد بها من أجل إحداث تغيير سياسي، أو هو القتل المتعمد والمنظم للمدنيين أو تهديدهم به لخلق جو من الرعب والإهانة للأشخاص الأبرياء من أجل كسب سياسي، أو هو الاستخدام غير القانوني للعنف ضد الأشخاص والممتلكات لإجبار المدنيين أو حكومتهم علي الإذعان لأهداف سياسية، أو هو باختصار استخدام غير شرعي ولا مبرر للقوة ضد المدنيين الأبرياء من أجل تحقيق أهداف سياسية».
>>>
ويطرح التمييز ما بين المقاومة المشروعة والإرهاب إشكاليات حقيقية، حيث تتعمد كثير من وسائل الإعلام الخلط ما بينهما خدمةلأهداف معلومة، وعلي كل حال فإن الخبراء والمختصين يلحون في التمييز بينهما من خلال الوسائل المعتمدة والأهداف المتوخاة من كل واحد منهما. ويوضحون في هذا الصدد أن القيام بعملية انتحارية يكون ضحاياها من المدنيين يعتبر عملا إرهابيا ولا علاقة له بالمقاومة المشروعة.
كما يطرح التمييز بين الإرهاب الممارس من طرف الأفراد والجماعات وإرهاب الدولة إشكاليات حقيقية بالنسبة لمهام وسائل الإعلام، حيث يري المختصون أن إرهاب الدولة يتجسد حينما يستخدم الإرهاب كوسيلة للحكم تسمح للسلطة باستعمال أساليب عنيفة لمواجهة معارضيها. وتندرج في هذا السياق ممارسة التعذيب والاختفاء القسري والاغتيال وارتكاب الجرائم.
ويقدر كثير من المختصين أن الاهتمام الكبير الذي توليه كثير من وسائل الإعلام خصوصا الغربية منها للإرهاب مبالغ فيه، وأن هذه الوسائل من خلال اهتمامها المفرط بالإرهاب تزيد من تضخيمه. ويستدلون في هذا الصدد بأن معدل الأشخاص الذين لقوا حتفهم بواسطة جرائم القتل العادية خلال سنة 2014 في العالم بأسره وصل إلي ٦٫٢٤ في كل 100 ألف مواطن بيد أن هذه النسبة لم تتجاوز 0.47 في كل 100 ألف مواطن ومع ذلك فإن وسائل الإعلام في العالم لم تول نفس الاهتمام الذي توليه للإرهاب للارتفاع المهول للجريمة العادية أو المنظمة في العالم. كما أنه وخلال الفترة الممتدة من 11 سبتمبر 2001 إلي نهاية 2015 فإن أعمال العنف التي ارتكبها أشخاص ينتمون إلي اليمين المتطرف في الولايات المتحدة خلفت ضحايا أكثر بكثير مما خلفته الجرائم الإرهابية. إلا أن وسائل الإعلام في الولايات المتحدة حسب تقرير أعده فريق من الجالية المسلمة هناك تبدي اهتماما وحماسا أكثر في تعاملها مع الإرهاب الذي يقترفه أشخاص أو جماعات ترفع شعار الإسلام، وأنها تبدي في نفس الوقت اهتماما أقل بأعمال العنف التي يقترفها أشخاص أو جماعات ينتمون إلي اليمين المتطرف، ويلاحظ المتتبع باستغراب كبير جدا أن وسائل الإعلام الأمريكية غالبا ما ترجع أسباب العنف الذي يقترفه اليمين المتطرف إلي أمراض نفسية، وأن البشرة البيضاء لمقترفي هذا النوع من الإرهاب ودياناتهم غير الإسلامية تشفع لهم لدي وسائل الإعلام مما لا يغريها بتعميم الظاهرة علي جماعتهم الدينية أو العرقية. إن الإشكالية المحورية في هذه النقطة تتعلق باستقلالية وسائل الإعلام ليس فقط علي مراكز القرار السياسي والاقتصادي بل أيضا وبصفة رئيسية استقلاليتها عن النزعة المعادية للظاهرة الإرهابية والتي تحكمها خلفيات سياسية ودينية وعرقية.
إن أستاذ القانون بجامعة SOUTHEکN بالولايات المتحدة الأمريكية يقول: »‬إن الإرهاب الحديث هو من صناعة وسائل الإعلام، لأنها تضخم وتوسع من الإرهاب ومن قدراته أكثر مما يحتمل. فالقنوات التلفزية تضع كل واحد منا في مسرح الجريمة الإرهابية وتتركنا هناك ينتابنا الشعور بالخوف» بيد أن السيد DOکISGکABEک الأستاذ بجامعة لينواز بالولايات المتحدة الأمريكية يقول: »‬إن وسائل الإعلام والصحفيين يتصرفون كأعضاء في الفريق حيث يلتحقون بدور السلطات الهادف إلي استتباب الأمن والهدوء عقب كل تفجير».
والحقيقة أن انتقادات كثيرة توجه لوسائل الإعلام في تعاطيها مع الظاهرة الإرهابية، في هذا الصدد اعتبرت رئيسة الحكومة البريطانية السابقة مارغريت تاتشر أن »‬الإعلام هو أوكسجين الإرهاب» ويري آخرون أن وسائل الإعلام تواجه تحديات مالية كبيرة وضخمة مما يضعف من قدرتها علي مقاومة الإثارة في التعامل مع الإرهاب. والأكيد أن الاهتمام المنقطع النظير لوسائل الإعلام بالجرائم الإرهابية يزيد من منسوب الخوف والرعب المترتب عنه مما يساهم في تنامي مفهوم جديد لما يسميه البعض بالوطنية الشعبوية التي تدعو إلي التضحية بالحريات والتي قدمت المجتمعات الإنسانية ثمنا باهضا من أجل تحقيقها والانتقام الأعمي من الإرهاب والإرهابيين. ولذلك يمكن القول بمشروعية ضرورة التسلح بنظرة نقدية للطريقة التي تتعاطي بها وسائل الإعلام مع الظاهرة الإرهابية الجديدة. من ذلك إثارة الانتباه إلي الخطورة البالغة التي تكتسيها المعالجة المجزأة للأفعال الإرهابية حيث تحصر بعض وسائل الإعلام دورها في اللحظات القاسية التي تعقب التفجير الإرهابي بيد أن جودة المهمة الإعلامية تقتضي منها تقديم المعلومات الدقيقة المرتبطة بالتفجير والنصائح الأمنية الصحيحة والشروحات الضافية والبحث في أسباب الظاهرة والعواقب المترتبة عن ذلك بهدف وضع الجمهور في الصورة الحقيقية، وهذا ما يتطلب تملك مهارات مهنية كافية للتدقيق في الأخبار والتحليل في مواضيع بالغة التعقيد ترتبط بالسياسة الدولية وبموازين القوي السياسية الداخلية والخارجية وبالدين. والأكيد أن الجرائم الإرهابية تمثل لحظة وقوعها امتحانا حقيقيا لوسائل الإعلام وللقيم والمبادئ التي تشتغل بها وعلي أساسها، فكثير من وسائل الإعلام تتحول بدورها إلي رهائن لدي الإرهابيين بالمفهوم المعنوي لهذا التعبير.
وجاء في كتاب صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) تحت عنوان »‬وسائل الإعلام في مواجهة الارهاب» أن تعامل وسائل الإعلام مع الإرهاب هي مسألة أخلاقية بالدرجة الأولي وتتمثل أساسا في طريقة تقديمه إلي الرأي العام. وهي قضية سياسية أيضا لأن العمليات الإرهابية لا تندرج في سياق الأحداث المعتادة في الدائرة التقليدية. فالتفجيرات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001 قدمها بعض الصحفيين علي أنها مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، بيد أن الصحفي »‬فينكلسطن» قال في التغطية التي أنجزها لفائدة »‬نيويورك تايمز»: »‬لقد بدأ التاريخ الرهيب».
>>>
إن تعامل وسائل الإعلام مع الإرهاب يطرح أيضا إشكالية حماية حرية الصحافة والإعلام في مواجهة الضغوط التي تتولد عقب القيام بأعمال إرهابية من تفجير أو قتل أو احتجاز الرهائن. ويري البعض أن حرية الصحافة والإعلام تتعرض في هذه اللحظات إلي استهداف حقيقي، لذلك يكون من واجب وسائل الإعلام حماية الديمقراطية بنفس الحجم الذي تعمل من خلاله علي حماية الأشخاص والجماعات. وتؤكد الجمعية العامة لمجلس أوروبا في هذا الصدد علي أن »‬الإرهاب لا يمكن أن يكون مبررا للمساس بحرية التعبير والإعلام والتي تعتبر الأساس في المجتمع الديموقراطي»، ولذلك تنبه أوساط كثيرة إلي الخطورة البالغة التي تكتسيها سياسة استغلال الإرهاب للتضييق علي حرية الصحافة والإعلام والنشر. كما تجدر الإشارة في هذا السياق إلي أن جودة تعامل وسائل الإعلام مع الإرهاب خصوصا خلال اللحظات العصيبة مرتبط أشد الارتباط بمستوي حرية الصحافة والإعلام والنشر في كل بلد، فكلما ضاقت مساحات هذه الحرية كانت التغطيات ناقصة ومغلوطة. كما أن هذه الجودة تكون مرتبطة أيضا بطبيعة مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية إذ بقدر ما تكون هذه المصادر شرعية وشفافة لدي الرأي العام تكتسب التغطية مزيدا من المصداقية لدي الجمهور.